شرح قصيدة «لا تبكِينّ على رسمٍ ولا طللٍ» لأبي نواس
التقديم :
قصيدة «لا تبكِينّ على رسمٍ ولا طللٍ» قصيدة خمريةٌ تنتمي إلى شعر التجديد في العصر العباسي، مقتطفة من ديوان الشاعر المجدد أبي نواس الحسن بن هانئ، وقد جرت على بحر البسيط ورويّها النون. تندرج ضمن محور «التجديد في الشعر العربي» حيث يثور الشاعر على التقاليد القديمة، خاصة الوقفة الطللية، ويدعو إلى رؤية جديدة للحياة قوامها اللذة والحضور في لحظة الآن.
الموضوع :
يرفض الشاعر عادة الوقوف على الأطلال، ويدعو إلى تعويضها بعالم الخمرة رمزًا للحياة والبهجة والتجديد.
التقسيم :
- من البيت 1 إلى البيت 2: رفض الوقفة الطللية والدعوة إلى العدول عنها.
- من البيت 3 إلى البيت 10: وصف الخمرة وألوان المتعة والراحة التي تمنحها.
- من البيت 11 إلى النهاية: فلسفة الشاعر في الحياة وتفضيله لذة الحاضر على حزن الماضي.
التحليل :
يستهل الشاعر قصيدته بأسلوب إنشائي يجمع بين الأمر والنهي: «عَجْ» و«لا تبكِينّ»، فيتحول الخطاب من مجرد تعبير ذاتي إلى دعوة موجّهة إلى مخاطَب (النديم/القارئ) لتغيير نظرته إلى العالم.
عالم الأطلال في نظر أبي نواس رمزٌ للموت والفناء والحزن واليأس، في حين يصبح عالم الخمرة رمزًا للحياة والأمل والفرح والانتصار. لذلك يبني الشاعر مفاضلة واضحة بين عالمين: عالم ماضٍ جامد، وعالم حاضر نابض بالحركة واللذة.
يوظّف الشاعر صورًا بيانية كثيفة، من تشبيهات واستعارات وكنايات؛ فيشبّه الخمرة بعين الديك في صفائها وإيذانها بميلاد فجر جديد، كما يصف لونها ولمعانها ورائحتها فيستثير حواس القارئ كلها، ويجعل من الخمرة كائنًا حيًّا يحمل وعدًا بحياة متجددة.
لا يقتصر التجديد عند أبي نواس على موضوع القصيدة فحسب، بل يشمل أيضًا بنية القول الشعري، إذ يهدم «الوقفة الطللية» القديمة ويعوضها بـ«وقفة خمرية» تنسجم مع روح العصر الحضري المنفتح الذي يعيش فيه.
الأساليب والمعجم :
- معجم القصيدة: يتراوح بين معجم الأطلال (رسم، طلل، آثار…) ومعجم الخمرة (راح، ريحان، عقار، سُلاف…).
- الأساليب: هيمنة الأسلوب الإنشائي (أمر، نهي) لما فيه من دعوة واحتجاج، إلى جانب الأسلوب الخبري في الوصف والتحليل.
- الصور البيانية: تشبيهات واستعارات تُجسّد الخمرة وتمنحها حضورًا حسيًّا وروحيًّا في آن واحد.
القيمة الفنية والفكرية :
تقدّم القصيدة نموذجًا واضحًا لثورة أبي نواس على الموروث الشعري الجاهلي، إذ يرفض الحزن العقيم على الأطلال، ويؤسس لقصيدة جديدة تمجّد الحياة وتحتفي باللذة بوصفها تعبيرًا عن حرية الإنسان وتعلّقه بالحاضر. وهي بذلك تعبّر عن تحوّل ثقافي وفكري في العصر العباسي، حيث انفتحت الحياة على الحضارة والمدنية، فتغيّرت الرؤية إلى الإنسان والعالم.
الأسئلة و الأجوبة :
أولاً: أفهم النص
-
السؤال 1: ما الموقف الذي يرفضه الشاعر في مطلع القصيدة؟
الإجابة: يرفض الشاعر عادة الوقوف على الأطلال والبكاء على آثار الديار وما يرتبط بها من حزن وحنين إلى الماضي.
-
السؤال 2: إلى أيّ عالم يدعو الشاعر مخاطَبَه أن ينتقل؟
الإجابة: يدعوه إلى ترك الأطلال والتوجه إلى مجالس الخمرة والأنس، أي إلى عالم الفرح والحياة.
-
السؤال 3: ما الصورة العامة التي يرسمها الشاعر للخمرة؟
الإجابة: يصوّر الخمرة صافية لامعة، طيبة الرائحة، تبعث النشاط في النفس وتفتح أمام الشارب أفقًا جديدًا للحياة والأمل.
ثانياً: أحلل النص
-
السؤال 1: بيّن البعد الرمزي لكلّ من «الأطلال» و«الخمرة» في القصيدة.
الإجابة: الأطلال ترمز إلى الماضي الميت، وإلى الفناء واليأس والانكسار، في حين ترمز الخمرة إلى الحياة والحضور والأمل والفرح. ومن خلال هذه الرمزية يعلن الشاعر انحيازه للحاضر على حساب الماضي.
-
السؤال 2: ما علاقة الأسلوب الإنشائي (الأمر والنهي) بموقف الشاعر الفكري؟
الإجابة: استعمال الأمر والنهي يمنح الخطاب نبرة حاسمة وقوية، فيظهر الشاعر في موقف الداعي إلى التغيير، لا مجرّد واصف لواقع قائم؛ فهو يأمر بترك الأطلال، وينهى عن البكاء، مما يترجم ثورته على التقاليد ورغبته في تجديد النظرة إلى الحياة.
-
السؤال 3: فيمَ تتجلى مظاهر التجديد في هذه القصيدة؟
الإجابة: تتجلى مظاهر التجديد في هدم الوقفة الطللية واستبدالها بالوقفة الخمرية، وفي جعل الخمرة محورًا للقصيدة بدل الديار والقبائل، إضافة إلى تكثيف الصور الحسية والحضور القوي للحياة المدينية وما فيها من متع وأنس.
ثالثاً: أبدي رأيي
-
السؤال: هل تتفق مع موقف أبي نواس في تفضيل لذة الحاضر على حزن الماضي؟ علّل جوابك.
إجابة نموذجية ممكنة: يمكن أن أوافق الشاعر في دعوته إلى عدم الاستسلام لحزن الماضي، لأن التعلق بالماضي يمنع الإنسان من عيش حاضره وبناء مستقبله. لكني لا أتبنى طريق الخمرة وسيلةً للهروب من الواقع، بل أفضّل أن يكون التعلّق بالحاضر من خلال العمل والإبداع والبحث عن السعادة في حدود القيم الإيجابية.
